محمد أبو زهرة

427

المعجزة الكبرى القرآن

بترجيع بعض الجمل والكلمات من غير قصد إلى التطريب ، وإيقاظ المشاعر بغير نغم القرآن ، بل بنغم الألحان الذي يمنع ذكر اللّه تعالى ، والخشوع الذي وصف اللّه القرآن به إذ قال سبحانه وتعالى : مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [ الزمر : 23 ] . ومهما تكن الأقوال في معنى التغني فمن المتفق عليه بين الموسعين ، والمتمسكين كابن المسيب ومالك وابن حنبل ، وغيرهم ، أن القراءة بالألحان والتطريب والغناء لا تجوز لأنه يخل بمقام القرآن ويوجه الناس إلى الطرب بالألحان بدل الاستفادة بمواعظ القرآن ، وهدايته ، وتعرف أحكامه ، وما فيه من أدلة التوحيد وأحوال الأقوام مع الرسل السابقين . وإنه يجب فهم التغني على ضوء قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وعلى ضوء ما عرفناه من قراءة النبي عليه الصلاة والسلام وترتيله الذي علمه اللّه تعالى إياه وعما أثر عن السلف الصالح . ولقد قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « أحسن الناس صوتا من إذا قرأ رأيته يخشى اللّه تعالى » فهل هذا يتفق مع التلوى بالألفاظ ، وعدم مراعاة المعاني ، وإنما تراعى الألحان ، والناس في طرب بسماعها ينصتون إليها ويطربون ولا تنالهم الخشية من خطاب الديان لهم بالقرآن الكريم ، كلام اللّه تعالى بيانه . 267 - ولننتقل بعد ذلك إلى حديث أبي موسى الأشعري وثناء النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وقد روى بعبارات مختلفة منها هذه العبارة التي قالها بعد أن عبر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم باستحسانه بقراءته ، فقد قال رضى اللّه تعالى عنه للنبي عليه الصلاة والسلام : « لو أعلم أنك تستمع لقراءتى لحبرته لك تحبيرا » ، والتحبير التزيين ، وهو كما قلنا في كل شئ بما يناسبه ، فالذي يناسب القرآن الكريم هو الترتيل المصور للمعاني القرآنية المربى للخشوع ، والعظة والاعتبار ، والذي يجعل المعاني القرآنية تنساب في النفوس . وقد رويت عبارة أبى موسى الأشعري بنص آخر يوضح الرواية الأولى ، ولا يخالفه ، أنه قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إني لو علمت أنك تستمع لقراءتى لحسنت صوتي بالقرآن ، وزينته ورتلته » . فهذه الرواية تدل على أن التحبير والتحسين كان في الصوت ، لا في القرآن الكريم ، وإن ذلك التحسين كان في دائرة الترتيل ، ولا شك أن حسن الصوت ، إذا اقترن بالترتيل ، ولم يتخالفا ، ولم ينحرف القارئ إلى ألحان الأعاجم ، وإلى الغناء وتطريب السامعين ليتمايلوا يمينا وشمالا ، ويقرنون ذلك بآهات مهوشة ، تشبه المكاء والتصدية كما كان أهل الجاهلية يفعلون ، ولننتقل من بعد ذلك إلى ما روى عن عقبة ابن عامر أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « تعلموا القرآن وغنوا به واكتبوه » .